الصديق الاول

22 أكتوبر

الاحتمالات لا نهائية …كل يوم هو مفرق يمكنها ان تفرع منه خطين متعاكسين لمسار حياتها …كل اختيار جديد هو تحديد للمقبل …الخيارات تحررنا و تأسرنا فى ذات الوقت .

انتظرت حتى يصبح الصبى رجلا . انتظرت كما لو كانت تعلم طوال الوقت انها ستفعل امر ما يغير كل شئ . سيكون لها عالم واسع لتختبره هكذا ظنت .

قررت ان تتركه . قررت ذلك ببساطه كما لو كان نبوءه …كما لو كان قرارا سماويا لا تملك حياله سوى الطاعه ..

قالتها وهى تنظر بعيدا كحديث عابر :

انا عايزة ننفصل .

عندما قالتها صدمت للحظة وودت ان تتراجع لكنها و حيال استهتاره تشبثت بها اكثر و كررتها .

اضطرت ان تكررها مرات عديدة وان تصرخ و تصفع الابواب فى وجهه …اضطرت ان تكون كالاعصار كي يستوعب انها تتحدث يجدية و تعنى ما تقول .

تشبث بها كطفل .

ثم تشيث بها كوغد .

.ثم استسلم في الاخير .

كان كمن خسر كل شئ … و قد اعتاد ان لا يتخذ موقفا حادا لذلك اراد ان يبدو كالمظلوم فغادر لابعد ما يكون عنها …و عن الصبي ابنه الذي اصبح رجلا .

تحررت اذن من زواج هزلى دام اكثر من عقدين من الزمان ..عمر كامل بلا معنى . ستبدأ و فورا فى اكتشاف خيارات الحياة الاخري , ستعيش عمرها المتبقي حقيقية دون الزيف الذى تمقت .

لكن ماذا تريد ان تفعل ؟ ماالذي سيسعدها ؟

من الغباء ان تجد انك فى النصف الاخر من رحلتك و انت لا تعرف من انت ؟ فلم يتح لها الوقت الكافى لتكبر تزوجت باكرا و خرجت من بيت جدتها لبيت هذا الرجل الذي كانت تعامله بقسوة و تسلط و فوقيه و كان يحبها و يدللها و يرضخ لشروطها .

ها هي ام لكن ليست ذلك النوع الذي تتدفق امومته و تدور حياتها حول ابنها . مطلقة دون اسباب حتى لتقصها على نفسها . امضت ايامها مع رجل لا تحبه ولا تكرهه لكنها تشفق عليه ولا تحترمه . لا تعمل و لا تجيد سوى حياة اجتماعية سلبها الطلاق متعتها . كما انها ليست لطيفة كفاية ليكون لديها اصدقاء كلهم معارف مجرد معارف .

لم تنتقل لبيت الجدة رغم الحاح الجميع . ظلت في بيتها . اراد ابنها ان يبقي معها لكنها رفضت لانه مازال فى سنوات الجامعة ووجودة فى سكن الطلبه افضل له.

كل يوم كانت تجري تجربة جديدة .

جربت ان تنظر مطولا لصورها العائلية و تدرس اسباب فشلها و ان كانت لا تعد ما حدث فشلا فهى تشعر بالنصر منذ وصلتها ورقه الطلاق .مع كل صورة ذكرى ما لحياتها الزوجية المديده, اصابتها تعاسه لكم تفاهة مشاعرها فهي لا تفتقد ذلك الذي قررت يوما ان تتزوجه ..امتعضت و هي تنظر لصورتها بالزفاف و تذكر سيناريو علاقتهما …قصه حبه لها التي لم تتمكن يوم ان تشاركه بها ..قياسها له كما نقيس الملابس لنعرف ملائمتها لمقاسنا و عمرنا و وضعنا الاجتماعي …ثم مباركه جدتها التي حسمت الامر في اقل من شهر !

جربت في صباح اخر ان تدخن . لم تشعر بالقرف ربما لان رائحته مألوفه فهو النوع الذي يستخدمه ذلك الشخص الذي كانت تعيش معه(طليقها) . دخنت مرة اخري لكن صورتها المنعكسه على المراه كانت غريبه و لم تحبها .

جربت ان تخرج من روتينها اليومي فاصابها قلق شديد .. وهى تنظر للساعات المخصصة لامور تفعلها بتتابع وانتظام منذ اكثر من عقد من الزمان …حاولت ان لا تهتم لكنها فقدت اعصابها فى الاخير …حاصرتها فكرة ان روتينها هو صديقها الوحيد .

الشئ الاصعب لم تستطع تجربته لم تستطع ان تهاتف ابنها لتقول انها تشتاق اليه ..و لم تستطع ان تجد بين معارفها شخصية لتكون اكثر اهميه من الاشخاص العابرين …لم تجرب ان تكون صديقه ولا تملك الشجاعه لتعلن عن احتياجها للاصدقاء .

انها ببساطة مجموعة من الافكار …المواقف و الاعمال الروتينه . وحيدة تماما .

قالت لنفسها انها استأصلت جزء من عمرها و لم تعتد بعد على فكرة البقاء بدونه . لكن  ذلك لم يواسيها . لم تسطع الصبر على التغيير و بدأ الاكتئاب يتسلل لروحها . و غادرتها مشاعر النصر الغريبة بعد الطلاق . من يستطيع ان يكون معها وهى شخص قلق عصبي متسلط  و عديم الشفقه . لم تعد ترى صورتها الذهبيه المعتادة بذكاءها الاجتماعى و لباقتها العامه ..لم تعد تذكر تماسكها فى المصائب و تصديها لكل عاصفه تقترب من منزلها . تجمعت الافكار السوداوية وغلفتها .

حتى جمالها نقص , حرمت عليها الحناء التى تتفن فى تجربة احدث نقوشها . هى بلا زوج و لسبب غير مفهوم التزين بالجناء هو للمتزوجة فقط حتى ان سفر الزوج يعامل كالحداد فلا تصبغ اى امراة قدميها او يديها فى غياب الرجل لعمل فى الخارج مثلا . استفزها انها و ان جربت ذلك لاسبوع واحد فانه امر مشين للسمعه !!

شعرت انها تحولت لظل امرأة اخرى زوجة و ام . هى الان لا شئ ام لابن لا يحتاجها كثيرا و مطلقة ينتظر الجميع ان تتزوج او تدفن .

ارادت ان تتصل به ذلك الشخص الذي كانت تشاركه التجارب فقط لتشعر بالحب و الاهتمام و لتعرف لما هي تستحق ان تحيا وهي بهذا الشكل و بهكذا ظروف…و كيف تمكن ان يكون سعيدا معها ؟ لكن   هل كان سعيدا حقاً ام انه غرورها يصور لها ذلك فقط ؟

تعرف هاتفه فى تلك البلاد لقد تركه لها رغم كل شئ …تركه لها قبل ان يغادر .

call him

الو ..السلام عليكم…عبد الملك

اسمه تردد بصوره اليفه انها لا تخاطبه الا بعبد الملك لم يكن يوما “عبدو” كما يناديه اصدقاءه و اهله حتى ابنهما يقول له يا “عبدو” …هى لا تفعل ذلك ..لا ينبغى ان تدلل الرجال .

و عليكم السلام ….سهام … ؟

اه …انا …قلت اجرب النمره …

التقط منها الاحراج و الخزى الذي يعرف انه اعتراها و صاح مرحبا بها…ثم ثرثر بامور عديده كما لو كان هو المتصل .

اغلقت الهاتف و بكت

كانت تلك تجربه جديدة و مغايرة تماما لكل ما اعتادته . لحظات صادقه تماما تحدثت معه كما لو كان شخص اخر لكنه لسبب ما يعرفها ولا تحتاج ان تشرح له ما تعنيه …كم تود ان تتصل به مره اخر لكن لاي سبب و باى مبرر ؟

امنيتها تحققت بسرعه وجدت عله تسوقها لاتصال ما فى اقل من اسبوع . حفل تخرج ابنهما . تحدثت معه عن الهديه مناسبه لذلك الصبي الذي اصبح رجلا . ثم تطرقوا لامور اخري …تحدثا عن موقفها الاخير في اجتماع نسوه الحي و لاحظت انه يقف لصفها ليس ككل مره ليس لمجرد تأيييدها و دعمها بل لانه متحمس لنفس الموضوع … هل تغير ؟ ام تغيرت نظرتها له ؟ لا يهم …

لاحظت انها خلال الايام التاليه تصيغ حوارات صغيرة داخليه مع عبد الملك كلما طالعت خبر ما او واجهها حدث ما …كما لو كانت تعلم الصفحات المهمة فى كتاب لتعاود قرأتها فى نادي القراء …انها فى امس الحاجة للمشاركة .

اتصل هو فى المره التاليه …كانت مرتاحه اكثر و تحدثت ببساطه و انسابيه و دون ان تدرك تجادلت معه دون عصبيه و دون ان تستحقر رأيه السلبي من وجهة نظرها …

 

وجدت نفسها تقول بفرح المفاجأة :

هههههههههه انت مبالغه ..مريح بالك …يا بختك جد يا عبدو ! فعلا و احنا مالنا ..انا ما عارفه بتين حابطل انفعل بالحاجات الزى دى ..

لا يهمها الان ان يكون بارد ..سلبي ..او اى من الصفات التى كانت تستفزها قديما ..متطلباتنا من شركاء الحياة تختلف عن ما نحتاجه من بقيه الناس ..لم يعد زوجها الي تود لو يكون صارما و محدد المواقف ..لم يعد ينسب لها ..انه شخص جديد ..تتعرف عليه و تعطيه حرية التعبير و تسعد باكتشاف روعته .

من ضمن تجاربها اليوميه انها بدأت تقرأ نوع كتب كان يقتنيه عبد الملك وكانت تسخر منها ..كتب التنميه الذاتيه …فى مكتبتهم المشتركة التى لم يحمل هو منها سوى الشي القليل وجدت نماذج جديدة … لا تشبه كتبها التاريخية و الثقافية و الادبيه .

بين الصفحات طالعها وصف الصداقه و احست ان صديقها هو عبدو …ليس عبد الملك الذي تزوجته بل  عبدو الذي سافر و ترك لها هاتفه ليتحدثا ببساطه عن كل شئ . انه الصديق الاول .

اتي عبد الملك ليحضر حفل تخرج ابنهما بعد اسبوع من مكالماتهما الودوده.

وقفا معا …صافحوا الجميع معا و جلسوا لطاوله واحده و حاولت ان تمنع نفسها من الضحك بصوت عالى وهو يحدثها عن مغامراته فى رحلة الطائرة و يذكرها كم كانت تتوتر كلما بدا خائفا . و عندما ضج المكان بصوت المكبرات و هو يذيع اسماء الخريجين واحد تلو الاخر ..كانت تفكر كم هو راقى ما يجمعها به و كيف تمكنوا من صياغه علاقه صداقه ناضجه لا تشبه ما يحدث عاده بين المنفصلين …كانت سعيدة ان عبد الملك لم يكن لئيما ولم يحدثها ابدأ عن سوء تعاملها معه و انه لم يعاتبها و لم يكن شرقي متخلف لا يستطيع ان ينسى انه كان يمتلك امرأه ما …و انها اصبحت تتعامل معه بنديه دون رغبه فى تغييره او تحسينه …انه صديق رائع ..حنون ..متفهم …مختلف عنها لكنهما ينسجمان …احاديثهما ممتعه و عميقه و مفيده .

تمادت بخيالاتها الجميله و فكرت انها تستعيد روحها اللطيفه  قبل الزواج و المسؤوليه … انه الصديق الاول و سوف تكون صداقات عديده و ربما تجد الحب ايضا و سيكون عبدو من اهم الحضور فى زواجها القادم … زواجها الحقيقى و ليس علاقتها الهزليه بعبد الملك …و عبدو  سيكون معها الصديق الاول والافضل دائما.

كم كانت موفقه حين اتصلت به و كم كان الحظ حليفا حين استجاب لنداء وحدتها و بؤسها …سوف تمنحه الاهتمام والود الصافى الذي لم يلقه منها ابدا و تساعده فى كل اموره ..ستحاول بجديه ان تكون صديقه …صديقة داعمة و محبه …بدون شروط و بدون توقعات ..كل ما تريده منه هو ما يجمعهما الان ..احترام و لطف و حوار .

الحاجز الذي تضعه امام المعارف منعهم من التطفل و لكن السؤال اتي من ذلك الخريج …ذلك الصبي صافى القلب الذي اصبح رجلا …

اقبل عليهما بلهفه و فرح وهم يغادرون القاعه معا حيث تقف سيارتهما متجاورتان :

انتو رجعتو ولا شنو ؟ اقول مبروك

هتفا معا بذات الحماس و الدهشة

لا…   ….قالتها سهام كما لو كان الامر بديهي .

ايوة ..  ….قالها عبدو كما لو كان اتفاق مسبق .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: