وضع مؤقت

23 أبريل

يوم عمل اّخر. لا أكاد اصدق أن العام مضى بهذه السرعة. بدأت يومي كالمعتاد مطمئنا نفسي “وضع مؤقت” جملة ارددها لكل فضولي بغيض ولكل صديق مخلص ولأمي .
الكتاب ,الموبايل ,جهز شحن الموبايل ,المفاتيح ,حبوب مسكنة وبعض المال تأكدت ان كل وسائل العمل تلك معى ..نعم هذه ادوات عملي ولست ذاهبا لنادى ولا لزيارة اجتماعية .
صعد بى المصعد للطابق الخامس ..في هذا الوقت من الصباح ..لابد انها السيدة “ن” ,اربعينية مطلقة و اّية في الجمال لها من الابناء اثنان يدهشك انهما فى العشرينات بل ويبدوان اكبرمن ذلك وتبدو معهم اختا او خاله لا ام . السؤال المحير فعلا كيف يتخلى رجل ما عن امرأة مثلها رقيقة مهذبة وطيبه ..حسنا ستقولون كيف لى ان اعرف انها كذلك ؟ صدقوني اعرف احيانا اكثر مما اريد .
وفي الطابق الخامس كان ما ظننته ..حيتنى تحية الصباح واتجهنا الى الطابق الارضي لكننا توقفنا في الثاني لنقل عائلة الدكتور “م” الطبيب وزوجتة (طبيبة ايضا ) وطفلة صغيرة في الخامسة من العمر ..تبادل الجيران ابتسامات وتحيات مقتضبة فكما يبدو ان السيدة “ن” تشكل تهديد لكل سيدات العمارة و كان من الحكمة التعامل معها بحذر ربما تجلب النحس او – وهو الاخطر- تخطف الازواج .
ظلت الطفلة –ابنه الدكتور “م”- تحاول جاهدة إعادة عقد الشريط الذي يتدلى من ضفيرتها .أمها مشغولة بمراقبة السيدة “ن” ويدي تريد مساعدة الصغيرة ..كانت دقائق من ضبط النفس فلا أريد أن يعتبرني الركاب فضولي وأتدخل فيا لا يعنيني أدركت أنني قد أموت حرجا لو طاوعت نفسي وأنبّني الدكتور “م” ..نعم الفكرة مروعة خاصة والسيدة “ن” موجودة.
في الطابق الأرضي غادر الجميع وبقيت أنا شغلت الإذاعة بواسطة الموبايل وبدأت استمع لأخبار التاسعة حتى انتهت وبدأت أقوال الصحف أحب أن أفكر بهؤلاء الذين يلقون أخبار الصباح كأكثر المذيعين بؤسا و كلهم يتمني أن يكلف بمهمة أخري أو ينتظر أن يرتقي ليكون له برنامجه الخاص هم أيضا يعيشون أوضاع مؤقتة..هنا فتح باب المصعد هذه مواعيد موظفي الشركة الإعلانية في الطابق العاشر مجموعة من الشباب يأتي بهم باص الشركة .
كل صباح أفكر هل ستركب اليوم مصعدي أنا ..أم المصعد الأخر ..وأتمنى أن تصعد معي ..صباح اليوم كان الحظ حليفي أنها هيا الآنسة الرائعة بكل روعتها شاركتني مصعدي . تعمل كمذيعة في الإذاعة التي تحتل ثلاثة طوابق تقدم برنامج الساعة الواحدة ظهرا يتسنى لي أحيانا أن استمع لأخره في فترات الركود …اسمع حوارها المذهل ,صوتها العذب الرقيق دون تكلف , و صبرها علي بعض المتصلين الأغبياء , يتملكني إحساس أحيانا إنها تصبرني أنا بالذات حين تبث نغمات الأمل عبر الأثير كما يقال ..في احد الأيام قالتها بالحرف : “هذه الأغنية إهداء لكل من يظن أن أحلامه لن تتحقق ..محمد منير …لو بطلنا نحلم نموت”
أتمنى أن اخبرها أنني خريج جامعة محترمة, أجيد اللغة الانجليزية وانه يوما ما كان لدينا الكثير من المال وكنت أقود سيارتي الخاصة وأنا مراهق في الثانوية ..أريدها أن تعلم أنني لبق ومسئول وأنني فعلا استحق أن تحبني لكنها فقط أيام مكتوبة لي في صعود وهبوط ارتفع بهذا المصعد بأحلامي واهبط لأعود لمنزلي واردد انه وضع مؤقت وبعد ذلك سأكون يوما ..دبلوماسي رفيع المستوى أو مستشار اقتصادي كبير .
اعلم أنها أيضا تعيش وضعا مؤقتا ..فلا يمكن أنها درست إدارة الأعمال لتصبح إعلامية ..نعم قد تبدو سعيدة بعملها لكن هل حقا هذا هو طموحها ؟ أود أن اعرف ؟
منتصف النهار وقت الذروة العديد من عملاء الشركات والزبائن العديد من الزيارات بين ربات المنازل وهكذا يزيد الصعود والهبوط ..حتى هؤلاء تصبح وجوههم مألوفة بعد عام من مزاولة المهنة هاهي مندوبة المبيعات التي تأتى بمستحضرات التجميل هيا الأخرى تعيش وضعا مؤقتا تبدو أكثر ضيقا منى مما يجعلها دائما في حاله إثبات أنها لا تنتمي لهذه المهنة وتكون متكبرة ومتعالية كأنها من كوكب أخر ..هاهو أيضا محامي الشركة الاستثمارية دائما هذا هو المحامى لا يلجئون أبدا لمحامي من طابق المحاميين كما يقول سكان العمارة .
انتهي دواما الآنسة الرائعة وهاهي للمرة الثانية من هذا المبارك المليء بالحظ تكون من نصيب مصعدي أنا ..هذه المرة تعمدت أن تقرأ غلاف الكتاب الذي أحملة معي “الاقتصاد الحر” ابتسمت وأشاحت بنظرها لابد أنها أدركت محاولتي اليائسة .لكن كان ذلك كل ما أتمناه ابتسامة لي أنا ليست لأمر تذكرته ليس لمحدثيها في الهاتف ليس لصورتها المنعكسة في مراّه المصعد .ليس تحية لزملائها إنها لي أنا ومحاولتي البائسة.

1809077827_515e866da4
عادت السيدة “ن” و معها ابنها ,طالب جامعي في سنته النهائية ,لطيف و دمث تماما مثلها .يسألني عن يومي و أسألته عن يومه قص على أحداث الامتحان وكيف قام بالغش .أمه تلكزه “و فرحان ..عيب عليك ..فاينل ..لسه بتغش” يضحكان .تمنيت أن أكون مكانها الزواج المبكر يمنحك فرصه أن تكون صديقا لإبنائك ..لكن لا بأس الشباب في القلب ومن يدرى ربما لازال لدى أمل في زواج مبكر فلم أتخطي الثلاثين بعد ..أليس كذلك ؟
نهاية الدوام .الساعة السابعة مساءاً يأتي زميلي بعد ذلك للاهتمام بمصعدي العزيز . السابعة إلا ربع ها هو احد راكبي المفضلين الدكتور “ف” ستيني راقي ممتلئ بالحياة والشحوم المكتنزة في وجهه و كرشه . دائما يعرض علي المساعدة خاصة بعد أن علم أنني مؤهل أكاديميا لما هو أفضل . ودائما كنت ارفض شاكرا ..حماقه منى لا افهمها الآن .اليوم كان كل شئ ممكنا لقد ابتسمت لي ..لا تضحكوا! بعد عام من الصعود والهبوط صدقوني تكفيني هذه الابتسامة المجردة الموجهة فقط لي ليس لأنها تذكرت شئ أو سمعت نكته بل لأنني كنت أحاول لفت نظرها بكتابي العظيم حول الاقتصاد الحر .
قريبا إذن سينتهي وضعي المؤقت فقد وعدني الدكتور “ف” بأن يتوسط لي عند أخوه الذي يعمل في وزارة الخارجية . لا أريد كلمه سلبيه واحده منكم سوف ينتهي هذا الوضع وسأحبها و تحبني ونظل مبتسمين للأبد ..حملت موبايلي , كتابي , بقية عدة العمل ومضيت و أنا أفكر في أسماء لأبنائنا .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: